صديق الحسيني القنوجي البخاري

208

أبجد العلوم

بأركان البيت الحرام موضع حجهم وبيت إبراهيم ، كما فعل امرؤ القيس بن حجر ، والنابغة الذبياني ، وزهير بن أبي سلمى ، وعنترة بن شداد ، وطرفة بن العبد ، وعلقمة بن عبدة ، والأعشى ، وغيرهم من أصحاب المعلقات السبع . فإنه إنما كان يتوصل إلى تعليق الشعر بها من كان له قدرة على ذلك بقومه وعصبيته ومكانه في مضر ، على ما قيل في سبب تسميتها بالمعلقات . ثم انصرف العرب عن ذلك أول الإسلام بما شغلهم من أمر الدين والنبوة والوحي ، وما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه ، فأخرسوا عن ذلك ، وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زمانا . ثم استقر ذلك وأونس الرشد من الملة ، ولم ينزل الوحي في تحريم الشعر وحظره ، وسمعه النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأثاب عليه ، فرجعوا حينئذ إلى ديدنهم منه ، وكان لعمر بن أبي ربيعة كبير قريش لذلك العهد مقامات فيه عالية ، وطبقة مرتفعة ، وكان كثيرا ما يعرض شعره على ابن عباس فيقف لاستماعه معجبا به . ثم جاء من بعد ذلك الملك والدولة العزيزة ، وتقرب إليهم العرب بأشعارهم يمتدحونهم بها ، ويجيزهم الخلفاء بأعظم الجوائز على نسبة الجودة في أشعارهم ومكانهم من قومهم ، ويحرصون على استهداء أشعارهم يطلعون منها على الآثار والأخبار واللغة وشرف اللسان ، والعرب يطالبون ولدهم بحفظها . ولم يزل هذا الشأن أيام بني أمية وصدرا من دولة بني العباس . وانظر ما نقله صاحب ( العقد ) « 1 » في مسامرة الرشيد للأصمعي في باب الشعر والشعراء تجد ما كان عليه الرشيد من المعرفة بذلك ، والرسوخ فيه ، والعناية بانتحاله ، والتبصر بجيد الكلام ورديئه ، وكثرة محفوظه منه . ثم جاء خلف من بعدهم لم يكن اللسان لسانهم من أجل العجمة وتقصيرها باللسان وإنما تعلموه صناعة . ثم مدحوا بأشعارهم أمراء العجم الذين ليس اللسان لهم ، طالبين معروفهم فقط لا سوى ذلك من الأغراض ، كما فعله حبيب ، والبحتري ، والمتنبي ، وابن هانئ ، ومن بعدهم إلى هلم جرا . فصار غرض الشعر في الغالب إنما هو الكذب والاستجداء لذهاب المنافع التي كانت فيه للأولين ، كما ذكرنا آنفا ، وأنف منه لذلك أهل الهمم والمراتب من المتأخرين ، وتغير الحال وأصبح تعاطيه هجنة في الرئاسة ومذمة لأهل المناصب الكبيرة . واللّه مقلب الليل والنهار » « 2 » . * * *

--> ( 1 ) « العقد الفريد » لابن عبد ربه الأندلسي . ( 2 ) آخر ما نقله عن ابن خلدون ( ص 675 ) .